علي بن زيد البيهقي
507
تاريخ بيهق
يقول مصنف هذا الكتاب : إن بقايا أفاضل العصر كسيرو القلوب وألفّاء الألسن ، وحال شيوخ العلماء بين الشباب كالخرقة البالية بين الثياب القشيبة ، والفاكهة اليابسة وسط الفاكهة الطرية . ومثل العلماء والسلاطين كمثل المطر والنبات ، فإن وجد النبات من المطر النيساني مددا ، نما ، وإن حرم ، عراه الذبول ، ولذا قالوا : الدين بالملك يقوى . ولأن استبهام الأخبار ، واستعجام أحوال الأخيار والأشرار ، هي أسباب توزّع الخاطر ، لم يبق مجال للصبر في مدة الانتظار ، ومع ذلك فلا وجه لسوء الظن بلطف الحق تعالى سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً « 1 » . ولأن المجالس الرفيعة - زادها اللّه رفعة - محط الرجال ، واتحاف الفضلاء والعلماء في تلك المجالس كصحائف الأمان وقميص يوسف عليه السلام ، زيّن كل واحد منهم بروضة الرضوان ، وأنوار البيان ، وأزهار البرهان ، وكحلت نواظر العالم بكحل سرور مطالعتها ، فإن الحظ النائم يستيقظ ، والدهر المعاند يسعف ، والفلك المعاند يطاوع . لن أغرق بالأثنية والمدائح التي تحصل بها الإراحة المؤقتة ، بل سأنشغل بالمواعظ والنصائح التي تعطي الثمار الحسنة في الدّارين ، وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 2 » . يجب أن يعرف ، أن كل أوائل وبدايات المخلوقات متصلة بالأواخر والنهايات ، وكل نظام في العالم سيعقبه التفرق والزوال ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 3 » ، وكل نعيم لا محالة زائل ، يتساوى في ذلك رب التاج [ 287 ] والفقراء والمحتاجون ، والرؤوس والأذناب .
--> ( 1 ) سورة الطلاق ، الآية 7 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية 187 . ( 3 ) سورة النحل ، الآية 96 .